وجعل المحبة بين أتباعه شرطًا في دخول الجنة، بل جعل إفشاء السلام طريقًا للمحبة، والمحبة طريقًا للإيمان، والإيمان طريقًا للجنة. إننا أمام سلسلة نورانية مترابطة، كلها تبدأ من خلق عظيم: "السلام والمحبّة".
في يوم عرفة، وقف النبي محمد ﷺ على جبل الرحمة في عرفات، مخاطبًا جموع المسلمين في آخر خطبة جامعة قبل
انتقاله إلى الرفيق الأعلى. افتتحها بالحمد والشكر لله وأعلن فيها إكمال الدين بقوله تعالى: «اليوم أكملت
لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا».
في هذه الخطبة التاريخية، وضع ﷺ أسس العدالة والمساواة وحقوق الإنسان: فأكّد على حرمة الدماء والأموال
والأعراض، محذرًا من العودة إلى الجاهلية أو الاقتتال بعده، ومؤكدًا أن أكرم الناس عند الله هو الأتقى لا
العربي ولا الأعجمي. كما حذّر من الربا وأبطله، وأوصى بحفظ الأمانة، ونبّه إلى أن الشيطان قد يئس أن يُعبد
ولكنه يطمع في المعاصي الصغيرة.
كما خصّ النساء بوصية عظيمة: «استوصوا بالنساء خيرًا»، فأكد على حقوقهن في النفقة والرعاية وحسن المعاشرة.
وأوصى الأمة بالتمسك بكتاب الله وسنته حتى لا تضل. وأوضح أحكام الميراث والنسب، وأرسى مبدأ الأخوة الإيمانية
الذي يربط المسلمين جميعًا.
خطبة الوداع ليست مجرد كلمات تاريخية، بل هي دستور إنساني خالد يُلخص رسالة الإسلام في الرحمة والعدل
والمساواة، ويستحق التأمل والاقتداء في كل زمان ومكان.
كرّم الله تعالى النفس البشرية ورفع من شأنها، فجعلها من أعظم ما أُوتي الإنسان من نعم. فهي ليست مجرد جسد يتحرك، بل كيان مكرَّم،
من أكل مال أخيه ظلمًا، ظن أنه قد ربح مالًا، وهو في الحقيقة خسر بركته، وفتح على نفسه أبواب الشؤم، ونزع الله البركة من رزقه وصحته وأهله.
لو وقفنا على أبواب المقابر وسألنا ساكنيها: ما أكثر ما ندمتم عليه؟ لقالوا: التنافس في الدنيا!
في عالمٍ يموج بالفوضى، والظلم، وتقلّب الأحوال، تبرز خصلتان عظيمتان، هما تاج الأخلاق وسرّ التمكين، وأعظم ما يُتوصل به إلى رضا الله: الصبر والحِلم.
الشيخ علاء جابر
سعيد الكملي
الشيخ محمد راتب النابلسي
ايمن محاميد